إخوان الصفاء
45
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
لا يضعها إلا في حقّها ، ولا يمنعها عن مستحقّها ، فإنها جلاء وشفاء ونور وضياء ، بل كالداء إن لم تكن دواء ، وكالفساد إن لم تكن صلاحا ، وكالهلاك إن لم تكن نجاة ، تداوي وقد تدوي « 1 » وتميت وتحي ، فهي كالتّرياق الكبير الذي هو في نفسه وحده وتختلف الأحوال عنده فيفعل الشيء وضدّه بحسب القوابل والمنفعلات عنه ، والحواصل والمتوالد منه ، بل مثلها الغذاء والضياء ، فإن بالغذاء القوة والزيادة ، وبالضياء الإبصار والهداية . فكما أن الصبيّ الصغير والطفل الرضيع السليم من الداء ، المستعدّ للزيادة والنماء ، يحتاج إلى حسن التربية ، ولطف التغذية ، وإطعام ما هو له أوفق وأصلح ، وفيه أزكى وأنجع ، على معرفة ومقدار ، ثم التدرّج بغذائه حالا بعد حال إلى استكمال قوّته ، وتمام بنيته ، لئلا يتغذى بما لا ينجع فيه ، ولا يستمرئه فيمرضه ويدويه ، بل يهلكه ويرديه ، فكان الذي أعدّ لشفائه وبقائه ، هو سبب دائه وفنائه ؛ أو كالعليل الملتبس بالداء ، البعيد من الشفاء ، ان غذي لا ينتفع بغذائه ، بل يزيد في دائه ، وربما كان سبب هلاك نفسه ، وانقضاء عمره . وأما الضياء فإنه لا يصلح إلا لمن فتح عينه ، وصح نظره ، وقوي بصره ، ويزيده الجلاء جلاء ، والنور قوة وضياء . فأما من لم يفتح عينه ، أو كان قريب العهد بالخروج من الظلام ، فيضعف جدّا عن مقابلة ضوء النهار ، ونور الشمس ، بل يكسبه الضياء ظلمة البصر ، حتى ربما صار ضلالا وعمّى ، وكذلك من كان عليل الطرف أرمد العين ، ذا عور ، أو في بصره سوء وقذى ، فلا يفتح عينه فيبصر ، ولا يعاين الصّور فيميز ، بل يستريح أبدا إلى الظلمات ، ويهرب من الضياء ، وكلما زاد الضياء نقص إبصاره ، وضعف إدراكه ، فإن لجّ أدّاه إلى الغشاء والعماء « 2 » ، وفقد النظر وذهاب البصر . كذلك الواجب على من حصلت عنده هذه الرسائل وهذه الرسالة ان يتقي
--> ( 1 ) تدوي : تمرض . ( 2 ) العماء : السحاب أو المظلم منه .